الوعي الثوري بين الحقيقة والتصليل
منذ سنوات يدور النقاش في أوساط النخب الثورية حول "الوعي" وضرورته لإعادة الثورة السورية إلى مسارها الصحيح. غير أن كثيرين ــ وأنا منهم ــ لم نزل نتساءل: ما هو الوعي حقاً؟ وكيف يمكن تعزيزه ونشره؟
يُقصد بالوعي هنا الوعي الاجتماعي والسياسي، أي قدرة الناس على إدراك الحقائق وراء الروايات المضللة، وعلى التمييز بين من يعمل لمصلحة المجتمع ومن يسعى لاستغلاله. لكن ما يجري في الواقع هو أن النخب كثيراً ما تُوهم الشباب بأنهم في حالة وعي، بينما تستخدم مواقفهم لتحقيق مصالحها. الأخطر أن بعضنا صار يعتبر الوعي مرادفاً للاتفاق مع رؤيته الخاصة، فيُوصَف الشارع بأنه "واعي" إن وافقنا، و"مغيب" إن خالفنا.
الوعي في جوهره ليس تطابقاً في الرأي، بل إدراكٌ ناقد يتيح للناس أن يكشفوا الحقائق التي تُخفيها السلطات الفاسدة، وأن يواجهوا التضليل الذي يُعيد إنتاج الاستبداد بوجوه جديدة. من هنا فإن نشر الوعي يبدأ بكشف الحقائق كاملة، مهما كانت صادمة، لا بإخفائها بحجة "المصلحة العامة". فقد أثبتت التجربة السورية، منذ عهد حافظ الأسد وحتى سلطات الأمر الواقع اليوم، أن التعتيم هو البيئة المثالية لنمو الفساد.
الوعي لا يعني توجيه الشارع نحو "الصواب" كما يراه البعض، بل تحذيره من الفساد والفاسدين ليبقى قادراً على حماية مساره الإصلاحي. إذ بدون هذا التحذير يتسلل الفاسدون بين الناس، ويدفعهم المال والعلاقات إلى صدارة المشهد، فتتحول أحلام التغيير إلى نكسة للوعي ونكسة للشباب معاً.
إن التجربة الممتدة لأكثر من عقد من الثورة تثبت أن ما يُخشى منه النخب ــ أي الكارثة الناتجة عن كشف الحقائق ــ قد وقع فعلياً بسبب التعتيم وإخفاء الحقائق. فالمجتمع الذي يُحرم من المعرفة لا يمكن أن يكتسب وعياً، ولا أن يبني سلطة مدنية تحميه.
الوعي الثوري إذن هو الأداة الوحيدة لتمكين الشارع من فرض سلطة مدنية يراقبها ويحاسبها، سلطة لا تأخذ ثقة الناس إلا بعد أن تمنحهم حق الرقابة والشفافية والخضوع لإرادة الشارع. وقد يقود الوعي الناس إلى تسويات مرحلية، مثل التحالف مع قوى عسكرية أقل فساداً، لكن بشرط أن يبقى القرار النهائي بيد الشعب.
خلاصة القول: الوعي الثوري هو كشف الحقائق، وكشف الحقائق هو الضمانة الوحيدة لمنع إعادة إنتاج الاستبداد تحت أي شعار أو غطاء.
.jpeg)
تعليقات
إرسال تعليق