بين تركيا وأتباعها.. والسوريين والمملكة.. الحل السوري.

الرئيس السوري مع الأمير محمد بن سلمان في المملكة العربية السعودية
الرئيس السوري مع الأمير محمد بن سلمان في المملكة

الحلّ السياسي ليس شأناً سورياً خالصاً، وتتشابك فيه أدوار الفاعلين الداخليين والخارجيين إلى درجة باتت تعرقل أي تقدم حقيقي، أكثر الجهات تأثيراً تركيا وحلفاؤها السوريون الذين تحول وجودهم السياسي والعسكري إلى عنصر معرقل لمسار التسوية.


في شرق الفرات تتضح العداوة بين قوات سوريا الديموقراطية والحكومة التركية بصورة لا يمكن تجاهلها، وجود الجيش التركي في الشمال بما فيه عفرين التي شهدت انتهاكات جسيمة على يد الفصائل الموالية لأنقرة، يشكل واقعاً يصعب تجاوزه في أي اتفاق سياسي، ومن الواضح أن انسحاب القوات التركية يشكل ركناً أساسياً لتفعيل اتفاق آذار بين الحكومة السورية وقسد، ولبناء أرضية مستقرة لأي حل شرق البلاد.


وفي الجنوب يظهر مشهد مشابه لكن بظروف مختلفة، فالعلاقة التاريخية المتوترة بين دروز السويداء وتركيا باتت عقبة إضافية أمام أي حل في ظل استمرار التدخل التركي في الشأن السوري، وخصوصاً بعد سقوط نظام البعث واستحداث قواعد عسكرية جديدة، هذا الوجود العسكري لا يُفسَّر محلياً إلا باعتباره امتداداً لصراع إقليمي لا يراعي السيادة الوطنية السورية.

محافظ حلب في مقر حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا 


إلى جانب ذلك في السلطة الجديدة إشكالية داخلية لا تقل خطورة، وهي تنامي نفوذ الشخصيات القريبة من الإخوان المسلمين في عدة مواقع حساسة، هذا النفوذ دُعم بشكل واضح من تركيا وقطر وظهر خصوصاً في إدارة حلب، حيث تبرز تحالفات سياسية موالية لأنقرة والإخوان، وانعكس ذلك في زيارة محافظ حلب عزّام غريب إلى مقر حزب العدالة والتنمية التركي، وهي خطوة حملت رسائل سياسية واضحة حول توجه الإدارة المحلية الجديدة.


إقليمياً تراقب المملكة العربية السعودية التطورات السورية من مسافة محسوبة، فالمملكة لا تخفي قلقها من نفوذ الإخوان وحلفائهم في مفاصل السلطة الجديدة، وتبدو مترددة في تقديم أي دعم واسع قبل أن تتأكد من أن هذا الدعم لن يتحول إلى رافعة لصالح مشروع الاخوان الاقليمي، فالمملكة تريد مشروعاً لا يتقاطع مع مصالح الأمن العربي، بعبارة أخرى الرياض تنتظر سلوكاً سياسياً يمنحها ضمانات بأن سوريا لن تقع مجدداً في فلك التنظيمات العابرة للحدود.

الجيش التركي في الأراضي السورية 


وفي المقابل يبرز الدور الإسرائيلي الذي يحتل أجزاء من جنوب سوريا ويدعم بقوة أسوأ الخيارات المطروحة لدى قسد والسويداء، ما يزيد تعقيد مشهد الجنوب ويدفعه أكثر نحو التوتر الإقليمي. أما تركيا، التي لا تعرف سوى لغة الاستفزاز في التعامل مع إسرائيل، فهي عاجزة عن إبرام اتفاق يضمن مصالح السوريين، تماماً كما استفزت روسيا سابقاً وتركت السوريين يواجهون آلة الحرب الروسية وحدهم. وعلى النقيض، تتمتع المملكة العربية السعودية بحنكة تمكنها من عقد الصفقات مع إسرائيل والولايات المتحدة حين تقتضي المصالح، ولديها في الوقت ذاته قبول واسع لدى جميع المكونات السورية بمذاهبهم ودياناتهم وقومياتهم، بما في ذلك الكورد والدروز.


وسط هذا المشهد المتشابك يبرز سؤال محوري، ما الذي يستطيع السوريون فعله اليوم؟


من بين الخيارات المتاحة يبدو أن التحالف مع المملكة العربية السعودية والدول العربية المؤثرة يمثل المسار الأكثر فائدة لتحرير القرار السوري من محور المقاومة الذي يضم إيران وحزب الله وحماس وتركيا وقطر، هذا المحور الذي تحكمه صراعات تتجاوز حدود سوريا، محور ساهم في تدمير بلدان عربية عدة، وأعاد إنتاج أنماط الهيمنة ذاتها التي أسقطتها الثورات العربية.


واقع اليوم يفرض على السوريين أن يعيدوا النظر في موقع بلدهم داخل خريطة الإقليم، وأن يعملوا على بناء علاقة متوازنة مع العالم العربي، علاقة تقوم على المصالح المشتركة لا على الارتباطات الحزبية أو المحاور العقائدية، الخيار ليس سهلاً لكنه واضح، استعادة سوريا من أيدي الآخرين تبدأ بتحرير قرارها وبناء تحالفات عربية تحفظ سيادتها، وتضع حداً لدوامة التدخلات التي أنهكت الثورة سابقاً والآن تهدد أمن الدولة والمجتمع، واقع يفرض الاختيار بين تركيا والمملكة السعودية، بين التطرف والحرب، بين الانفتاح والسلام. 




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

علم الثورة/ الاستقلال وجماعة أخوان سوريا

الوعي الثوري بين الحقيقة والتصليل