يا أبي شرفني.. الأب: بعد أن يموت كل من يعرفني

تختلف الثورة السورية عن غيرها من الثورات بأن ثمن المشاركة في إشعالها الموت، بالتأكيد ثمنٌ باهظ لم يكن غالبية من يتصدرون مشهد الثورة اليوم على إستعداد أن يبذلوه، وهذا جوهر تعنت الثوار فيما مضى عن ضرورة أحقية تصدر المشهد الثوري من أشخاص نالوا شرف التضحية في الأشهر الأولى من عام 2011، لأنه من الطبيعي أن لا يضحي المتأخرين الذين لم يدركوا أهمية الثورة من خلال التضحية، وخاصة من كانوا قبل هذه الثورة جزءاً من منظومة الفساد، ولا أعتقد أن الإنشقاق أو "الإنحياز الأخلاقي" يحتاج لفترة تتعدى نهاية الشهر السادس من عام 2011، الشهر الذي ثبت فيه للمؤيد قبل المعارض وحشية النظام من خلال إجتياحه مدينة حماه، مع التنويه بأن "الإنحياز الأخلاقي" والإنشقاق الآمن لا يمكن إعتباره تضحية من أجل الثورة، بقدر ما يمكن إعتباره إستغلال المرحلة وتسلق على أكتاف الثائرين في فترة كانت الإقامة المؤمنة والأموال الوفيرة تتدفق على كل منشق ومنحاز يشغل مناصب حساسة في نظام الأسد


لكن غالبية الدبلوماسيين والعسكريين المنشقين كانت لديهم حسابات خاصة أخرت إنشقاقهم لما بعد منتصف عام 2012، فما بالكم فيمن أنشق في 2013!


وتختلف هذه الحسابات من موقع شخص لآخر وموقف النظام منه، من هذه الحسابات إهمال النظام لأشخاص ينحدرون من مناطق أو عائلات ثائرة، سببٌ جعل هؤلاء الأشخاض يفكرون بالانتقام، وآخرين تم تهميشهم بسبب عدم حماسهم في التشبيح على حساب أشخاص أقل أهمية لكنهم تفانوا في الولاء والتشبيح، ولا يخفى على أحد أحلام الكثيرون بالسلطة الجديدة والأموال والشهرة التي كانوا محرومين منها في ظل نظام شمولي لا عنترة فيه إلا الأسد


فكان من الآمن أن تبقى مقاليد سلطة الثورة بعيدة عن هؤلاء لما يحوم حولهم من إشارات إستفهام حول تأخر إنشقاقهم، إنشقاق لا يخرج من دائرة القفز من المركب قبل الغرق في فترة كان الجميع ينتظر سقوط النظام


لكن إعتراض الثوار جوبه بتبريرات وهمية تثبت كذب مدعيها، من الحاجة للكفاءات، التي مازالت مهمشة حتى الآن، إلى إختراع مواعظ وعبر من قبيل "الثورة ليست لمن سبق، الثورة لمن صدق وثبت"، لكن الثورة للشعب لا لمن سبق ولا لمن صدق، وتحتاج الثورة لحراس يبعدون عنها العملاء والخونة وأصحاب المصالح الضيقة الذين أوصلوا الثورة والبلاد إلى حالة يهدد بها الحكام شعوبهم بأن بلادهم ستؤول إلى ما آلت إليه بلادنا

ولا حلول إلا بإبعاد هؤلاء عن مراكز سلطة الثورة، إذ لا فرصة لإختبار مدى جاهزيتهم للتضحية من أجل الثورة، في مرحلة يصعب فيها التخمين والمخاطرة بتسليم مصير الثورة لأشخاص غير موثوقين وليس لديهم ما يخسروه، ولكن الخطوة الأهم الآن هي حفظ وتوثيق تاريخ كل المنشقين ودوافعهم، الذين أشاهد العديد منهم وأعجب لما يفعلوه ويقولوه بعد أن تجاوزوا المثل الشعبي المتعارف ذكره في هذه القضية (يا أبي شرفني.. الأب: بعد أن يموت كل من يعرفني)،

وتقول قصة هذا المثل أن ولداً لأب سيئ السمعة طلب من والده أن يعطيه من القصص ما يفاخر بها في والده بين الناس، رد الأب: إلى أن يموت كل من أسأت لهم وكل من يعرف حقيقتي.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

علم الثورة/ الاستقلال وجماعة أخوان سوريا

بين تركيا وأتباعها.. والسوريين والمملكة.. الحل السوري.

الوعي الثوري بين الحقيقة والتصليل